جمالية المكان في ديوان "بعيدا قليلا " للشاعر عبد الهادي روضي

طارق علا
لقد أعاد الشعراء المعاصرون صياغة الأماكن والعالم وفق رؤيا جديدة اتخذت صورا مثالية وإنسانية ، وتجاوزوا بها المسافة الجغرافية المجردة للأماكن إلى كونها تشكيلا روحيا ووجدانيا يزخر بالحركة والحياة فاستنطقوها ونقلوا أحاديتها وتاريخها عبر أشعارهم ، فكان ذلك تعويضا نفسيا لافتقادهم لتلك الأماكن أو المكان النواة ـ الدار البيضاء ـ بالنسبة للشاعر عبد الهادي روضي في ديوانه قيد الدراسة .
إن المكان يعد إيقاعا شاملا يتسلل إلى خلايا النص ، بل إنه في بعض الأحيان يصبح الخلية الأساسية بعيدا عن الانبهار السياحي ،فالأمكنة وبناء على هذه الاعتبارات جزء من التجربة الحياتية سلبا وإيجابا. والشاعر يقرأ أسرار الأمكنة وخفاياها ويقرأ جغرافياتها وتاريخيتها .لا بد للمكان أن ينصهر ويذوب في دم النص وبذلك يتحول المكان إلى خلق جديد يحمل صفات جديدة .
ولأن المكان يشكل عنصرا أساسيا في التجربة الشعرية المعاصرة، إذ قل أن نعثر على ديوان ينعدم فيه ذكرللمكان، والقاعدة العامة عند هؤلاء الشعراء ذكر الأمكنة التي كانت عنصرا فاعلا في بناء تجربتهم الشعرية ، وهذا ما نجده بالتحديد في ديوان "بعيدا قليلا " .الإشارة إلى المكان في هذا الأخير تظهر منذ الوهلة الأولى فعنوانه يحمل من الدلالات المعنوية ما يؤكد الاحتفاء والاحتفال بالمكان وأنه عنصر فاعل ساهم في تشكيل تجربة الشاعر، ذلك لأن"بعيدا" تأتي للدلالة أيضا ـ بالإضافة إلى دلالتها على الزمن ـ على المكان، ومما لا شك فيه أن الشاعر بعيد عن موطنه الأصلي.
إن "بعيدا" تؤشر على بعد الشاعر عن موطنه اوقد تؤشر على بعده عن أصدقائه أو عن إنسان بالغ الأهمية عنده. أما "قليلا" فتأتي لإذكاء هذا البعد المكاني، ونقصد هنا المكان الذي يرى فيه الشاعر الأمل والحياة. خاصة عند استحضارنا لبعض الأماكن التي تحمل طابعا روحيا في وجدان الشاعر "البيضاء" وحين نتصفح هذا الديوان نجد في الصفحة الأولى إهداء "إلى محمد وعائشة والدي ّ". إن الإهداء وبهذه الصيغة يعني أنه موجه لأعز ما يملكه الشاعر: الوالدين رمز الحياة والأمل عنده.
مما لاشك فيه أن سلطة الوالدين قوية عندالشاعر لأنها معززة بسلطة المكان الأصلي ( النواة ) بهذا يكون ذكرهما منذ البداية إعلانا صارخا من الشاعر على رغبته في العودة إلى الأصل ويتأكد هذا عندما يقول في قصيدة " مجازات للمحو ":
تماما الطفل الموشى
بزهو الأرض
هو
ظلك قد
تراءى للعين
من
شق الرؤيا
لا تعدو للخلف
قد
غيض الوطن
وتأججت في القلب
ريح هواك . (1)
وفي موضع آخر من الديوان يؤكد قائلا:
عابرون قبلي عبروا الريح
وحدي ركبت المساء تعقبت خطاهم
تركت البيضاء خلفي تحاصر نسغها الوثني . (2)
إن للفعل " ترك " هنا من الدلالات الشيء الكثير ،فهو يعني أن الشاعر لم يفعل ذلك اختيارا وإنما كان ذلك تحت وطأة الإكراه. إن فعل الترك ليس دائما ناتجا عن طواعية واختيار، وفعل " ترك " جاء متصلا بضمير رفع متحرك وهو ما أضفى عليه حركية دائمة وبحثا دائما عن الأصل وعن السبل المؤدية إلى الوصول إليه ومن شأن ذلك أن يخلص الشاعر من التشرد والضياع. يقول الشاعرموصيا أمه بالمكان:
سأصير محوا
أوصيك بالمكان
المكان نبض جواني
أوصيك بالحكمة
أوصيك بي . (3)
ولأنه رمز للحكمة والانبعاث والتجدد استحق أن يكون من الأشياء التي يجب أن تذكر في الوصية ،ويزداد الهوس عند الذات الشاعرة عندما تحس بضيق الأفق في جميع الأماكن التي تعرفها. يقول الشاعر:
أصير وحدي
من أنا
ما وطن السلالات
وإلى أي وطن سيقودني هذا المحو . (4)
وهنا تكتمل الصورة النهائية لمأساة الشاعر مع المكان المفقود. إن تحولات المكان في الذاكرة الشعرية وكما يقول ابراهيم نمر موسى" تسترجع الآن وتستعاد عبر تاريخ سحيق من الماضي في المنفى لتجد الذات الشاعرة نفسها في غربة مكانية عن المكان".
ونعثر في الديوان على أماكن أخرى تؤشر على نوع من التماهي الذي حصل بين الشاعر وبينها ، لا تهمنا طبيعة هذا التماهي ولا كيفيته ، المهم أنه موجود وتتلخص هذه الأماكن في مناطق وقبائل الإقليم الذي يزاول فيه الشاعرمهامه الحياتية ، إذ نعثر على القبيلة وعلى الصحراء و"توك الريح" وعلى "أقاإيكان" وعلى "وولت"...يقول الشاعر في سياق ذكر القبيلة :
ومضوا
خاسئين
وجهي ضيعته القبيلة
(....)
بأي ناي ألملم شتات القبيلة . (5)
ويقول في سياق آخر عن ولت وتوك الريح وأديس ... وغيرها:
ولت هيجت نزوة العابرات(...)
كي يصير المكان أكثر جاذبية
لن تهبك أسرارها الريح
لن تكون حارس أديس
في سهرة الكبت
ضاعت في توك الريح لغات الوجد. (6)
ويقول في موضع آخر من الديوان :
لن تروضك الصحراء لغتها
لن تنشد أقاإيغان موالك البدوي . (7)
إن هذه الأماكن هي ما يشكل الآن الجغرافيا التي يتحرك فيها الشاعر وتلخصها كلمة واحدة " ولت "، والشاعر وهو يتحدث عن تجربته مع هذا المكان الجديد عليه عن مدى تماهيه معه، سيما وأن هذا المكان يحمل أشياء جديدة للشاعر ربما لم يجدها في موطنه الأصل، وفي المقابل أفقده أشياء كان يتحسس وجودها في موطنه الأم وهذا ما أذكى نبرة الأنين والغربة في وجدانه وهو بهذا المكان، وما ذكره لهذه الأماكن إلا علامة العودة إلى الأصل فالشاعر كما يقول في نص سيرذاتي يعكس أفقا آخر في تجربة الشاعر.
يقول الشاعر:
أنا روضي بن النص
سليل شعراء مجدوا يتم الصحراء
التي منها أنحدر كما يفضي إلى ذلك الحفر. (8)
إن هذه الأماكن تعد بمثابة النموذج البدئي الذي يرجع إليه الشاعر، فالصحراء عنده تمثل أصل النبع وقد عاد إليها ليتزود منها مجددا، فهي بهذا تصير بمثابة الأم التي ترمز للخصب والنماء والحياة، وهذا ينطبق بصفة عامة على أي إنسان ، يقول نمر موسى مستحضرا قول يونغ :" يصبح الوطن هنا بمنزلة الأم يتحول إلى رمز من رموز الانبعاث والتجدد لدى الإنسان البدائي والمعاصرحيث ساوى كلاهما بين الأم والأرض ،فأحشاء الأرض كأحشاء الأم تعطي الحياة ،وقد عد يونغ تعلق الإنسان بأرضه شوقا لتحقيق الانبعات بالعودة إلى رحم الأم وانتظار حياة جديدة لذا يخاف أن تدفن رفاته في أي مكان آخر غير أرضه ويرتاح لفكرة العودة إلى الاتحاد بالأرض الأم .
إن الشاعر يصرح بارتياح إلى العودة إلى الأرض الأم وأقصد هنا الصحراء،وبالإضافة إلى الأماكن التي جئنا على ذكرها يستحضر أماكن أخرى بعيدة عنه جغرافيا لكنها أقرب شيء وجداني إليه ومن تلك الأماكن بغداد والشرق يقول في قصيدة " المسيح يتقمص وجه الغيم" :
ماذا سنقول للجد الذي اغتلنا جذوره
وبأي سر سنبوح
بغداد آخت بين الورد والحجر
وقالت : هيت للطغاة
وبابل أسلمت سرها للغزاة
بماذا سنهمس للعشب
(.....)
ماتت نخوة الجياع
ماتت نخوة الشعراء
الشرق تعرى. (9)
وقد عبر الشاعر هنا عن انتمائه القومي وعن حسه النضالي، فهو يرفض ما وصلت إليه بغداد ـ رمز الحضارة الإسلامية ـ بسبب الاحتلال الأمريكي ، وبذلك يكون الشاعر خرج من النسبي إلى المطلق بتوظيفه للمكان " بغداد " أو " الشرق" فأوجد لنفسه نافذة يضع فيها البعد الوطني في الفضاء الإنساني ،وهكذا يتخذ الشرق بشكل عام بعدا روحيا ودينيا ووجدانيا وأسطوريا في تصور الشاعر .
إن المكان في ديوان " بعيدا قليلا " وبشكل عام صار بمثابة البيت الذي يعد في رأي جاستون باشلار جسدا وروحا وهو أيضا عالم الإنسان الأول قبل أن يقدف بالإنسان إلى العالم ،وأي ميتافيزيقا دقيقة لا تستطيع إهمال هذه الحقيقة البسيطة لأنها قيمة مهمة نعود إليها في أحلام يقظتنا . ويكشف الاحتفال بالمكان في هذا الديوان عن امتلاك الشاعر لرؤيا شعرية شمولية وحلما إبداعيا، أي تصورا للعالم وطريقة تعبير ترتكز على الوظيفة الجمالية للغة بغض النطر عن الشكل الفني الذي يبدع من خلاله.
هـــوامش:
(1)عبد الهادي روضي، بعيدا قليلا، ط1، مطبعة آنفو برانت، فاس، 2008، مجازات للمحو، ص:31
(2) نفسه، ولت تربي العدم،ص: 77
(3) نفسه، ص: 83
(4) نفسه، آخر التشكل .. أول المحو، ص:55
(5) نفسه، هاوية الريح، ص:19
(6) نفسه، ص: 29
(7) نفسه، كم تضيق حنجرتي، ص: 13
(8) عبد الهادي روضي، مقطع من نص: راويات يقتفين زهر التيه(مخطوط ديوان شعري للشاعر يحمل العنوان ذاته)
(9) بعيدا قليلا، المسيح يتقمص وجه الغيم، ص: 44
|