أنس الهراس
قراءة في الفيلم البرازيلي cidade de deus

كذا هو الحال دائما بمدينة الله، إن هربت تقتل، وإن بقيت تقتل .. !!
بوشكابي، طفل في التاسعة من عمره، طفل من أطفال مدينة الله، أحد مدن الصفيح بضواحي ريو دي جانيرو البرازيلية .. قليل الشجاعة ليكون مجرما، لكنه كثير الطموح ليصبح مصورا فوتوغرافيا ..
من الجهة الأخرى، دادينيو، طفل آخر في سن بوشكابي أو يزيد عنه قليلا، يحلم بأن يصبح أخطر مجرم بمدينة الله ..
حلمان متباعدان ومتناقضان وصعبا التحقيق في مجتمع لغته الوحيدة هي العنف والإجرام .. سينجح الطفلان في تحقيق حلميهما خلال العشرين سنة القادمة .. لكن، كل حسب طريقته !!
إنتاج ضخم، إخراج عملاق، شخوص مختارة بعناية، سيناريو متكامل، مشاهد حادة ومتقنة لا من ناحية الدرامية ولا من ناحية العنف والأكشن .. كلها عناصر وصفة لذيذة سيستمتع بها المشاهد طيلة ساعتين من الزمن ..غوصة في عالم أحد أخطر فافيلات ريو دي جانيرو .. حيث مجتمع من نوع آخر كونه أطفال وشبان فقراء، لا يعرفون غير الجريمة أما، وغير السرقة والقتل لغة، وغير المخدرات غذاءا، مجتمع بأخلاقه ومثله وضوابطه وقوانينه الخاصة .. من الصعب جدا تلخيص ملحمة جرت خلال ثلاثين عاما، مليئة بالأحداث والقصص في فقرة أو فقرتين، كان من الممكن أن يكون الفيلم بسيطا وأشبه بوثائقي، وأن يتناول قصة واحدة هي نموذج لما يعيشه الكل في مدينة الرب .. إلا أن ميريليش عرف كيف يصنع ما هو أجمل وأروع، وعرف كيف يدخل مجموعة من القصص في قصة واحدة، فإضافة لقصة بوشكابيه وزي بيكينيو اللذان لعبا دور البطل، سنجد قصة عصابة ثلاثي الرقة، قصة أنجيليكا، قصة كاروت وبيت المخدرات، والعديد العديد من القصص الأخرى .. حتى وإن كان العنف عنوان الفيلم الرئيسي، فميريليش أدمج فيه جملة من المشاعر الإنسانية (صداقة، حب، كراهية، ثأر، خيانة...) بأبعاد سياسية واجتماعية وبشرية (الأحكام المسبقة ما بين سكان ساو باولو وسكان ريو، آثار فيضانات 1966..)
الإخراج كان غاية في الروعة والإبداع .. الفيلم كان تحفة بالنسبة لمخرج كان يعمل في مجال الإشهارات فقط، وبالنسبة لمخرج، يشكل " مدينة الله " عمله السينمائي الطويل الثالث فقط .. أبهر ميريلش أغلب متتبعي السينما بفيلم بمستوى هوليودي، حمله بقوة إلى مصافي الكبار، وجعل من فيلمه سكوريزيا على البرازيلية ..!!
نقطة قوة هذا الفيلم كانت بلا شك، التصوير .. الطريقة التي تم بها تصوير المشاهد تنم عن عمل مبدع ودقيق .. فبينما كانت ألوان البني والرملي تغلب سنوات الستينات، خفت الألوان سنوات السبعينات وطغت الألوان الباردة عليها، قبل أن تصبح في قمة التوهج والبريق، في فترة أوج الشباب، أي خلال الثمانينات .. حتى الموسيقى التي ستصاحب هذه العقود الثلاثة ستتغير بتغير الأحداث .. معالجة الصور، تقطيع المشاهد وتلصيقها كانت قمة في الإبداع، ناهيك عن أن الفيلم كان كله فلاش باك في فلاش باكات .. مع كثير من التوقفات والفوا أوف، مما زاد من حلاوة الفيلم ولذته ..
الآداء كان رائعا، مع اعتماد المخرج على ممثلين لم يسبق لهم الظهور على الشاشة، والأهم من ذلك ممثلين هم في الواقع أطفال مشردون وأفراد عصابات حقيقية من مدينة الله .. الشىء الذي أعطى نكهة الواقعية، كما أعطى ديناميكية وحركية إضافية لفيلم لم يفتقر إليها أصلا ..
السيناريوأيضا كان إحدى نقاط قوة الفيلم، فمن الواضح أن نسجه بإحكام شديد، ولم يتركأي ثغرات أو نقاط غير واضحة .. الحوارات ما بين الشخوص كانت ممتعة رغمعنفها الزائد وامتلائها بالكلام النابي: أمر عادي لفيلم تدور أحداثه في أخطر حي في البرازيل !!
الفيلم عرف نجاحا كبيرا في أمريكا والعالم كله، حيث فاز بعدة جوائز محلية وعالمية ..
الفيلماكتسح جوائز البرازيل الكبرى للسينما بإحدى عشر ترشيحا، وستة جوائز، كمافاز بجائزة مراكش الكبرى للسينما، وجائزيتن من مهرجان قرطاج ..وجوائزبريطانيا الحرة للفيلم وجوائز أوروبا للسينما والجولدن جلوب .. ويكفي أننقول أن الفيلم رشح لأربعة جوائز أوسكار، من بينها جائزة أفضل مخرج وأفضلسيناريو ..
الفيلم فاز بما مجموعه 49 جائزة و29 ترشيحا ..
|