1- فراغ
اندلقت الفكرة دون عسر، لم يكلف نفسه إعداد ملعقتين كبيرتين من Carrionوقطرتين من الكونياك، على غير عادته أخرس صوت الموسيقى، قد يشعل الرغبة فيه من جديد لإعداد مشروبه المعقد، فلم يكن يسمح لغليان القهوة أن يتجاوز الخرمة الأولى من إبريق مخلوع الذراع، وأن يتزامن ذلك مع القفلة الأولى لموسيقى رحمانينوف اختلسها من فيلم Shine، عيناه مشدودتان إلى عناوين الكتب المرصوصة بقليل من العناية، إذ يحدث أن يضم عنوانا إلى آخر في ذهنه ليحصل على سطر شعري باذخ الكثافة والإلتباس، ينتشي حالما يلتصق عنوانان فتحدث المفارقة:
- كل المياه بلون الغرق، هكذا تكلم زرادشت.
- - كشجر اللوز أو أبعد، حياتي.
- لا تعتذر عما فعلت، باودولينو.
- العطر، اسم الوردة.
تردد طويلا في توليف هاذين العنوانين:
- المصحف الكريم، مزرعة الحيوانات.
2-حيرة
أتملى بموضوع شتات الأحداث والمواقف والأفكار والشخوص، علي أن أخرج بجذوة الاستمرار أو تمزيق مشروع روائي موبوء بآفات ذاتية وموضوعية، أجد السلوى أحيانا في كتابات ناجحة لقت صدى طيبا من القراء وشرذمة من النقاد، لكني أرتاب في صدق نجاحها. ففي لحظات الصفاء يبدو تحايلها على ذائقة القراء مكشوفا وغبيا، لكن أكثر ما يغبطني في هذه الكتابات الناجحة هو متعة التشظي وقوة التداعي، أوقن في النهاية بأن القلق الذي أعيشه وأعتاش منه لا يعدو إلا تجوالا في مدارات الكينونة الملتبسة بين ما هو كائن وما هو مفروض
سنوات وأنا أبحث عن النص الكامل، العبارة الكاملة، الجملة الكاملة الحقيقية موجودة في الحريق، البحث مضني، الموجودات ملتبسة. فكرت في أمر مجدي لاستمرار الرواية وهو الإنصات فقط إلى وشائج مسودتي .. خطأ ارتكبته حينما عرضت مشروعي على بعض الأصدقاء، كاد الأمر أن يخرب وحدتي الأصيلة
3- تداعي
في هدوء يلف المكان، تحت سماء صافية، أقنعت نفسي أن أكتب لنصف ساعة دون توقف، وأن أجعل القلم يشق سطور الدفتر دون تردد
لم أكتب شيئا، كانت السماء صافية بما يكفي لتأجيج صخب الأطفال والعصافير
شاهدت فيلما يعج بممثلين غير مكرسين في هوليود، مع بداية الجينيريك كان لدي إحساس بأن هذا الفيلم سيجب ماقبله من أفلام رديئة طبعا SMOKE ثلاث قصص بسيطة تندلق في حي خلفي في نيويورك لاأقل ولاأكثر، اكتشفت منذ مدة طويلة بأنني لاأملك عقلا تركيبييا، لسرد فيلم يبدأ بسيطا وينتهي إلى متاهة من التشابكات الماتعة
أن تكون روائيا يعني بالضرورة أن تحكي ألف ليلة وليلة بطريقتك دون أن تفقد الليالي روحها الحقيقية هكذا فعل ماركيز قبل أن يكتب رائعته مئة سنة من العزلة. عندما أنهيت الفيلم، تعلمت من بول أوستر، مبادئ بسيطة عن تدوير الحكايات وإدخالها في بعضها، بول أوستر نفسه تعلم تدوير الحكايا عن ماركيز، وماركيز نفسه تعلم عن مجهول الليالي
عندي ألف حكاية، أحتاج إلى مزاج بارد لكتابتها بشكل جيد، أي الإبتعاد قدر الإمكان عن تلك البهرجة الشعورية التي تسبق الكتابة
علي أيضا أن أكف عن الهروب الجبان من التفاصيل العنقودية، كانت لدي عقيدة فيما مضى بأن على الروائي تجنب السقوط في مستنقع التفاصيل، فتفصيل قد يجرك إلى تفصيل آخر وحادثة تقود إلى حادثة، براعة الروائي تقتضي أن يعود إلى خط البداية، كنت أتوجس من اللاعودة، لهذا غالبا ماأتكأ على حيل بالغة السذاجة من وجهة نظري، حيل تلقفتها الجماهير بترحيب، بالغ، تلاعبت أحلام مستغانمي بأمواج بشرية، بإنشاء بالغ الطفولة والبراءة، عندما قرأت " ذاكرة الجسد " فطنت لحيلها الرخيصة، أحلام مغناج، مررت أناملها على البؤر الرومانسية في ذاكرتي، ينتهي الفصل، أرتخي نشوة بعد مضاجعة الهلام، وجدت أحلام في عبارة (الرواية سقط متاع الشعر( منجمها الخفي، عبارة عبدت لها طريق الربح السهل والسريع
باتت الفكرة لاتحضرني إلا إذا استنفرت ذاكرتي النصبة بفنجان مركز من بن رديء على رصيف مقهى، نبهني الأصدقاء إلى أن الإفراط في شرب القهوة يضمر الفحولة، لم أبال، الأهم هو أن لايصاب مخيالي بالعنة، حالما اشتهي الورقة البيضاء يندفع قلمي في بياضها تلك هي أمنيتي، المشكلة هي أن الكافيين يجعلني أحوم حول ذاتي، إذ تعدو الكتابة عندي اجترارا مبتذلا لوساوسي، أتوه في داخلي، يجتذبني التفكير العميق في وعيي الشقي وفي خيبتي العاطفية المتضخمة
يتبع ..
lazrak_rayhana@hotmail.com