محمد الأزرق
الرواية و سن اليأس..
في ليلة قمراء من ليالي الصيف، خطرت ببالي فكرة أن أنسج رواية على منوال " العجوز والبحر "، سانتياغو ظل 84 يوما ينتظر أن يتجعد محيط قاربه إعلانا بقدوم السمكة، في انتظار الذي يأتي أو لا يأتي، تشابكت خيوط الإصرار والصمود مع خيوط الخيبة. تناسلت صفحات الرواية بكثافة عالية، الأحداث تسير على قطبي الخيبة والإصرار في زمن سردي رفيع الإتقان، تسير بإيقاع مضطرب مثل قطارات أمريكا اللاتينية، في الأخير فاجأ سانتياغو حوت كبير لم تقوَ صنارته على تحمله، فداعبه أياما طويلة، وفي اللحظة التي أوشك فيها سانتياغو على إنهاك قوى الحوت، باغته سرب من أسماك القرش فاتكا بحوته. انسل سانتياغو إلى الشاطىء خائبا يتدلى من قاربه هيكل الحوت، ليثبت للآخرين رحلته العجيبة ومقاومته الشرسة لليأس وسمك القرش.
في نيتي أن أكون سانتياغو، وأن تكون فتاتي الحوت الهارب دائما مثل الضوء، والأمواج وسمك القرش هي المطبات الكثيقة التي تعترض سبيلي وتحول بيني و الوصول إليها.
أحكمت القلم بين أصابعي، وغرزت حده في ورقة مخططة فاقعة البياض ل Agenda محفور فوق غلافها الجلدي 1956، اشتريتها من رحبة فندق الشجرة، أطلع القارىء على هذه التفاصيل التافهة لإيهامه بالواقعية، ولكي أتدرب على التوليف بين التفاصيل الصغيرة وجعلها طيعة لخدمة سياق الرواية الموعودة. لم أستطع مجاراة همنغواي، لا تزال مجموعة من التفاصيل ذات مغزى مهم يجب أن تجارى، لم أستطع ترويضها على الورق، تركت فكرة محاكاة العجوز والبحر إلى أجل غير مسمى، أوهمت ذاتي الكاتبة بضرورة التريث لأجل اكتمال التفاصيل واختمارها المطلوب.
ينقبض قلمي حالما أفكر بأنني وصلت الثلاثين عاما، ولم أخرج روايتي إلى الوجود، يمر في ذهني شريط من وجوه روائية ملأت دنيا الأدب قبل أن تتجاوز سن الثلاثين، غورفيدال، صودرت روايته وهو في سن الواحدة والعشرين، لم يذعن لناشره الذي طلب منه أن يخفف من حدة الفقرات الجنسية في روايته الأولى " المدينة والعمود" ، اكتسب نعرة الروائي المحترف في سن مبكرة، قرأت رواية غورفيدال، ولم أجد فيها ما يسترعي انتباهي عدا تلك اللقطات الجنسية المثلية المتقنة، حالما يجتمع بوب بجيم، بطلا الرواية، أكون متأكدا أن فيدال سيخرج لازمته : " انهمكا في العمل المعقد ليصيرا شخصا واحدا ... " هذه العبارة كافية لفيدال وللقارىء لتوليد عشرات الإستيهامات والصور، وأقوى من ذلك يجعلك تتعاطف مع بطليه.
لم أتذكر أسماء الذين كتبوا روايتهم قبل أن يدخلوا سن الثلاثين، لكن سأفعل فيما بعد ..
يتبع
lazrak_rayhana@hotmail.com
|